مَا لا تُبْصِرُونَ

25 مارس 2020
مَا لا تُبْصِرُونَ

 
إن الله عز وجل قد أقسم في كتابه الكريم بالعديد من الأشياء العظيمة والأمور الجليلة ولأن الله سبحانه وتعالى عظيم فهو لا يقسم إلا بشئ عظيم مما يدعو إلى التفكر والتدبر وإمعان النظر فيما أقسم به الله ومحاولة استجلاءه والتعرف على مواطن العظمة فيه والتي جعلته ينال هذا الشرف العظيم وهو قسم الله سبحانه.ومن هذا المنطلق نود أن نقف وقفة تدبر وتأمل لقول الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ . ومَا لا تُبْصِرُون)

إن التقدم في العلوم قد أثبت أن الوجود ينقسم إلى عالمين: عالم منظور, وآخر غير منظور ومن الأمثلة الواضحة للعالم الغير مرئي هو العالم الميكروبي حيث  تعتبر الميكروبات  أمة من الكائنات الحية، التي لا ترى أعيننا معظمها، وتوجد في كل مكان؛ في الهواء والماء والتربة، وعلى أجسامنا وفي أفواهنا وأمعائنا،بل وأحيانا في الطعام الذي نأكله، وبعضها مفيد وبعضها ضار، وتتكون من عائلات وأجناس وأنواع متباينة وعديدة، وتتفاوت في الصغر فأصغرها الفيروسات، التي يتراوح حجمها من 10-30 نانو متر (1/بليون من المتر)، يليها الميكروبات التي يصل حجمها إلى 1000 نانو متر، ثم الفطريات ثم الطفيليات الأولية، فالديدان المتطفلة بأنواعها المختلفة، وأخيرا ًالحشرات المفصلية المتطفلة.
ويعتبر الجسم البشري أرضا خصبة لأنواع كثيرة وقطاعات واسعة، من الكائنات الدقيقة؛ وخصوصا في الأنف والحلق،وفي الجزء السفلي من القناة الهضمية، وعلى الجلد، وهي كائنات متخصصة لكل عضو ونسيج وتعيش هذه الكائنات المتطفلة فيما بينها وبين الإنسان في علاقة ديناميكية وحيوية متوازنة. والجسم البشري في حالة اشتباك دائم مع هذه الكائنات الداخلية والخارجية التي تهاجم وتلحق به الضرر، يقاومها بكل الأسلحة التي يمتلكها، وقد سخر الله سبحانه وتعالى له أسلحة عديدة، يغالب بها هذه الكائنات الغازية له متمثلة في الجهاز المناعي للجسم ، غير أنها قد تفلت من كل الوسائل الدفاعية أو تتغلب عليها ، لتوقع الضرر بجسم الإنسان، لذلك كانت الوقاية منها، هي خير وسيلة للنجاة من شرورها والحد من أخطارها. و لما كانت الوقاية و الحماية ضد ضرر مثل هذه الميكروبات هي الوظيفة المكلف بها الجهاز المناعي وهو عبارة عن  منظومة من العمليات الحيوية التي تقوم بها أعضاء وخلايا وجسيمات داخل أجسام الكائن الحي بغرض حمايتها من الأمراض والسموم والخلايا السرطانية والجسيمات الغريبة. هذه المنظومة الحيوية تقوم بالتعرف على مسببات للمرض، مثل الميكروبات أو فيروسات وتحييدها أو إبادتها. يميز جهاز المناعة السليم خلايا الجسم السليمة و أنسجته الحيوية وبين كائنات غريبة عنه تسبب المرض.الجهاز المناعي للجسم يستطيع التعرف على أعداد لا تحصى من الممرضات (أنتيجينات) والأجسام الغريبة بدءًا من الفيروسات والطفيليات والديدان والميكروبات؛ علما بأن هذه الممرضات يمكنها التطور بسرعة وتستطيع تجنب جهاز المناعة وتتكيف وتتكاثر في جسم المضيف بشكل ناجح.
ولمواجهة هذا التحدي توجد في الجهاز المناعي آليات متطورة تستطيع التعرف على الممرضات وتحييد خطرها.ولا يسعني الإنتظار في مثل هذا الوقت التنوية عن مرض العصر مرض كوفيد-19: هذا المرض المعدي الذي يسببه فيروس كورونا المُكتشف مؤخراً. ولم يكن هناك أي علم بوجود هذا الفيروس قبل اندلاعه في مدينة يوهان الصينية في ديسمبر 2019 و تتمثل الأعراض الأكثر شيوعاً لهذا المرض في الحمى والإرهاق والسعال الجاف. وقد يعاني بعض المرضى من الآلام والأوجاع، أو احتقان الأنف، أو الرشح، أو ألم الحلق، أو الإسهال ويمكن للمرض أن ينتقل من شخص إلى شخص عن طريق القُطيرات الصغيرة التي تتناثر من الأنف أو الفم عندما يسعل الشخص المصاب أو يعطس وللوقاية من هذه الكائنات لا يكون إلا بأمور ثلاثة بما يعرف بالطب الوقائي:

  • قطع الطرق الموصلة لهذه الميكروبات إلي جسم الإنسان (النظافة الشخصية)
  • الحفاظ علي أجهزة المناعة و تقويتها ( الأكل الصحي و الرياضة)
  • التخلص من مخازن هذه الميكروبات (التنظيف و التطهير)

وبهذه التدابير المحكمة في تحقيق نظافة مداخل ومخارج وجلد الإنسان، وملابسه، وأماكن جلوسه ونومه يتوقى من أخطار الكائنات الدقيقة وسمومها الضارة؛ والتي يمكن أن تكون سبباً في مرضه أو هلاكه. وتعود بالنفع على جهاز المناعة فتقويه، وتزداد لديه المقاومة لكثير من الأمراض والعلل التي تهدد حياة الإنسان.

 

وبعد، فإن ما ذكر ليس إلا غيض من فيض من الآيات المتكشفة لنا و التي تبين لماذا أقسم الله عز وجل بما نبصر وما لا نبصر وكيف أن الله عز وجل يرينا ما لم يرى آبائنا وأجدادنا وكأنه كلما زادت الفتن والشبهات زاد تكشف الآيات المثبتات والدلائل المرشدات إلى صراط الله المستقيم وأنه كلما أنبهر الإنسان بالتقدم العلمي والتكنولوجي تكشف له ضآلة علمه أمام عظمة علم الله وقدرته وصدق الله إذ يقول: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ).

           

د/أحمد عرابي : دكتوراة في علم الميكروبات و المناعة – مدرس الميكروبيولوجي - كلية الطب البيطري – جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة